الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

516

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ومن فقرات الزمخشري في « الكلم النّوابغ » : « طعم الآلاء أحلى من المنّ . وهو أمرّ من الآلاء عند المنّ » الآلاء الأول النعم والآلاء الثاني شجر مر الورق ، والمنّ الأول شيء شبه العسل يقع كالنّدى على بعض شجر بادية سينا وهو الذي في قوله تعالى : وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى [ البقرة : 57 ] ، والمنّ الثاني تذكير المنعم عليه بالنعمة . والأذى الإساءة والضرّ القليل للمنعم عليه قال تعالى : لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً [ آل عمران : 111 ] ، والمراد به الأذى الصريح من المنعم للمنعم عليه كالتطاول عليه بأنّه أعطاه ، أو أن يتكبّر عليه لأجل العطاء ، بله تعييره بالفقر ، وهو غير الأذى الذي يحصل عند المن . وأشار أبو حامد الغزالي في كتاب الزكاة من « الإحياء » إلى أنّ المنّ له أصل ومغرس وهو من أحوال القلب وصفاته ، ثم تتفرّع عليه أحوال ظاهرة على اللسان والجوارح . ومنبع الأذى أمران : كراهية المعطي إعطاء ماله وشدّة ذلك على نفسه ورؤيته أنّه خير من الفقير ، وكلاهما منشؤه الجهل ؛ فإنّ كراهية تسليم المال حمق لأنّ من بذل المال لطلب رضا اللّه والثواب فقد علم أنّ ما حصل له من بذل المال أشرف ممّا بذله ، وظنه أنّه خير من الفقير جهل بخطر الغنى ، أي أنّ مراتب الناس بما تتفاوت به نفوسهم من التزكية لا بعوارض الغنى والفقر التي لا تنشأ عن درجات الكمال النفساني . ولما حذّر اللّه المتصدّق من أن يؤذي المتصدّق عليه علم أنّ التحذير من الإضرار به كشتمه وضربه حاصل بفحوى الخطاب لأنّه أولى بالنهي . أوسع اللّه تعالى هذا المقام بيانا وترغيبا وزجرا بأساليب مختلفة وتفنّنات بديعة فنبّهنا بذلك إلى شدّة عناية الإسلام بالإنفاق في وجوه البرّ والمعونة . وكيف لا تكون كذلك وقوام الأمة دوران أموالها بينها ، وإنّ من أكبر مقاصد الشريعة الانتفاع بالثروة العامة بين أفراد الأمة على وجوه جامعة بين رعي المنفعة العامة ورعي الوجدان الخاص ، وذلك بمراعاة العدل مع الذي كدّ لجمع المال وكسبه ، ومراعاة الإحسان للذي بطّأ به جهده ، وهذا المقصد من أشرف المقاصد التشريعية . ولقد كان مقدار الإصابة والخطأ فيه هو ميزان ارتقاء الأمم وتدهورها ، ولا تجد شريعة ظهرت ولا دعاة خير دعوا إلّا وهم يجعلون لتنويل أفراد الأمة حظا من الأموال التي بين أيدي أهل الثروة وموضعا عظيما من تشريعهم أو دعوتهم ، إلّا أنّهم في ذلك متفاوتون بين مقارب ومقصّر أو آمل ومدبّر ، غير أنّك لا تجد شريعة سدّدت السهم لهذا الغرض . وعرفت كيف تفرق بين المستحبّ فيه والمفترض . ومثل هذه الشريعة المباركة ، فإنّها قد تصرّفت في